ابو القاسم عبد الكريم القشيري
260
شرح الأسماء الحسنى
وألذها ، قال اللّه تعالى : وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ « 1 » ، ثم إنه جعل قوت الأشباح الطعام والشراب وجعل قوت الأرواح المعاني التي لها قدرها ورتبتها ، وبها يحصل تفاوت درجاتها ، فمن أقوات القلوب والأرواح العقل الّذي به نظام جميع المحاسن ، فمن رزقه اللّه العقل أكرمه وأزانه ، ومن حرمه ذلك فقد أذله وأهانه ، قيل : إن جبريل عليه السلام جاء إلى آدم عليه السلام وقال : إني أتيتك بثلاثة أشياء ، فاختر منها واحدا ، فقال : وما هي : فقال : العقل والدين والحياء ، فقال آدم : اخترت العقل ، فخرج جبريل وقال : إنه اختار العقل ، فانصرفا أنتما ، فقال الدين والحياء : إنما أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان . ولهذا قيل : ما خلق اللّه تعالى شيئا أحسن من العقل ، وسئل بعضهم عن معنى العقل فقال : لم يعط أحد كماله فيوصف ، وأن اللّه تعالى إذ شغل العبد بطاعته أقام لأجله من يقوم بشغله ، فإذا اشتغل العبد بطاعة ربه جعل الحق سبحانه من يقوم بخدمة عبده ، وإذا رجع إلى متابعة شهوته وتحصيل أمنيته وكله إلى حوله وقوته ورفع عنه ظل عنايته . سمعت منصور المغربي يقول : كان الكتاني بمكة ، وكان له خادم يخدمه ، وكان في المسجد شاب حسن الجلسة ، فكان الكتاني إذا فتح عليه بشيء قال لخادمه : ابدأ بذلك الشاب ، فقال الخادم له يوما : كنت تأمرني أن أبدأ بذلك الشاب ولم تقل لي ذلك منذ أيام ، فقال : إني رأيته في الحذائين يطلب شعسا ، ومن أمكنه أن يحتال لنفسه شعسا قد سقط منا فرضه . أشار بهذا أنه إنما كان ذلك الشيخ منصوبا لمراعاة حقه وتقديمه على أشكاله لما لم يكن الشاب محترفا لنفسه ، فحيث اتصف باحتياله في بعض أحواله رد إلى أفعاله واختياره .
--> ( 1 ) يونس : 93 .